القرطبي
151
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - قوله تعالى : ( الا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) هذا استثناء منقطع ، أي ولكن تجارة عن تراض . والتجارة هي البيع والشراء ، وهذا مثل قوله تعالى : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) على ما تقدم ( 1 ) . وقرئ ( تجارة ) ، بالرفع أي إلا أن تقع تجارة ، وعليه أنشد سيبويه : فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * إذا كان يوم يوم ذو كواكب أشهب وتسمى هذه كان التامة ، لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول . وقرئ ( تجارة ) بالنصب ، فتكون كان ناقصة ، لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر ، فاسمها مضمر فيها ، وإن شدت قدرته ، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وقد تقدم هذا ، ومنه قوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة ( 1 ) ) . الثالثة - قوله تعالى : ( تجارة ) التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ، ومنه الاجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله ، قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ( 2 ) ) وقال تعالى : ( يرجون تجارة لن تبور ( 3 ) ) . وقال تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ( 4 ) ) الآية . فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز ، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الاغراض ، وهي نوعان : تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر ، وهذا تربص واحتكار قد رغب عنه أولو الاقدار ، وزهد فيه ذوو الاخطار . والثاني تقلب المال بالاسفار ونقله إلى الأمصار ، فهذا أليق بأهل المروءة ، وأعم جدوى ومنفعة ، غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن المسافر وماله لعلى قلت ( 5 ) إلا ما وقى الله ) . يعني على خطر . وقيل : في التوراة يا بن آدم ، أحدث سفرا أحدث لك رزقا . الطبري : وهذه الآية أدل دليل على فساد قول . . . ( 6 ) . . .
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 356 وص 371 ( 2 ) راجع ج 18 ص 86 ( 3 ) راجع ج 14 ص 345 ( 4 ) راجع ج 8 ص 266 ( 5 ) نسب صاحب اللسان هذه العبارة إلى أعرابي . راجع مادة ( قلت ) . والقلت بالتحريك الهلاك . ( 6 ) بياض بالأصول . وفى الطبري : ( ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات والله تعالى يقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) اكتسابا أحل ذلك لها . راجع الطبري في تفسير الآية وسيأتي في ص 156